الخطيب الشربيني

383

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولما كان الإيجاد من العدم أدل دليل على ذلك قال تعالى دالا على استحقاقه للمحامد فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق قاله ابن عباس ، أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ، وعن مجاهد عن ابن عباس ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي : ابتدأتها . تنبيه : إن جعلت إضافة فاطر محضة كان نعتا ، وإن جعلتها غير محضة كان بدلا وهو قليل من حيث إنه مشتق . ولما كانت الملائكة عليهم السلام مثل الخافقين في أن كلا منهم مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر أخبر عنهم بعدما أخبر عما طريقه المشاهدة بقوله تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أي : وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون رسالته بالوحي والإلهام والرؤية الصادقة ، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه أُولِي أي : أصحاب أَجْنِحَةٍ يهيئهم لما يراد منهم ، ثم وصفها بقوله تعالى : مَثْنى أي : جناحين لكل واحد من صنف منهم وَثُلاثَ أي : ثلاثة ثلاثة لصنف آخر منهم وَرُباعَ أي : أربعة أربعة لصنف آخر منهم ، فهم متفاوتون بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون ويسرعون بها نحو ما وكلهم الله تعالى عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به ، وإنما لم تصرف هذه الصفات لتكرر العدل فيها ، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد من صيغ إلى صيغ آخر كما عدل عمر عن عامر ، وحذام عن حاذمة . يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ أي : يزيد في خلق الأجنحة وفي غيره ما تقتضيه مشيئته ، والأصل : الجناحان ؛ لأنهما بمنزلة اليدين ، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل وذلك أقوى للطيران وأعون عليه ، فإن قيل : قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه فما صورة الثلاثة ؟ أجيب : بأن الثالث لعله يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدّهما بقوة . أو لعله لغير الطيران ، قال الزمخشري : فقد مرّ بي في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بهما أجسادهم ، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله تعالى ، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله تعالى انتهى . وروى ابن ماجة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت جبريل عند سدرة المنتهى وله ستمائة جناح ينثر من رأسه الدر والياقوت » « 1 » ، وروي أنه عليه السّلام : « سأل جبريل أن يتراءى في صورته فقال : إنك لن تطيق ذلك فقال : إني أحب أن تفعل فخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه السّلام مسنده ، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال : سبحان الله ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا فقال جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل عليه السّلام له اثنا عشر ألف جناح جناح منها بالمشرق ، وجناح بالمغرب وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله تعالى حتى يعود مثل الوصع ، وهو العصفور الصغير » « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 412 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7 / 290 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 123 . ( 2 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد 74 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 92 ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 118 .